تاريخ النشر 26 نوفمبر 2015     بواسطة الدكتور فهد دخيل العصيمي     المشاهدات 201

لماذا ارتبط الطب النفسي بالإعلام؟ والدورات؟

وما هي أدوار الطبيب النفسي الحقيقية؟ الحمد لله. وبعد: بادئ ذي بدء، أعترف بأن هذا موضوع شائك، والكتابة فيه من شأن الجمعيات العلمية وأكابر أهل التخصص، فأنا متطفل عليه، وبضاعتي فيه مزجاة. ولكن رأيت من واجبي المشاركة بكلمات في هذا الأمر، لتفتح شهية زملائي وأساتذتي لطرح علمي أفضل. وأرجو ألا يُفهم مقالي
 هذا على أنه استنقاص من أحد بعينه، ولا تقليل من جهود زملائي وأساتذتي في الطب النفسي، وكلمات الشكر تقف عاجزة عن الامتنان لهم على ما بذلوه وسيبذلونه في المستقبل لخدمة المجتمع.
فلا تخطئ عيون القراء وأسماعهم، حجم المشاركة الإعلامية الكثيفة لبعض الأطباء النفسيين السعوديين، وفي مواقع تواصل اجتماعي متعددة، وفي مواضيع لا تمت أحياناً لتخصصهم بصلة، مثل: استضافة طبيب نفسي للنقاش حول اتجاه الناس للسياحة الخارجية؟! وما سبب البطالة في السعودية؟! ولا أقلل من أهمية هذه المواضيع، لكنها تحتاج لباحث متخصص، وليست ضمن خبرات الطبيب النفسي. ومما يؤسف له اتجاه بعض الأطباء النفسيين النابهين المتخرجين حديثاً في هذا الاتجاه. والهدف في البداية نبيل، وهو تثقيف المجتمع بمواضيع الصحة النفسية، لكن بحار الإعلام الهائجة وبريق الشهرة الزائفة، أدت لمشاركات إعلامية مثيرة للجدل، وفقيرة علمياً، ولا تمت لتخصص الطب النفسي بصلة.
وبعض الأطباء النفسيين اتجه لدورات تطوير الذات، وهي الأخرى لا تمت لتخصص الطب النفسي بصلة. فيعرف الطبيب النفسي قبل غيره، أن هذه الدورات ذات العنوانين البراقة من قبيل: كيف تتخلص من القلق وتصبح سعيداً في ثلاث ساعات؟ هي محدودة الفائدة لصحيح النفس والجسد، ولا ينتفع منها المريض غالباً. وأنى لمدرب مهما بلغ تأهيله، أن يعالج مائة شخص بشكل جماعي وخلال بضع ساعات! في حين يحتاج المعالج النفسي المؤهل، بحسب الدراسات العلمية، للقيام بجلسات علاجية نفسية، مقننة، متكررة مع مريض واحد أو مجموعة صغيرة، بشكل أسبوعي، ولبضعة شهور، وتستغرق كل جلسة منها 45 دقيقة؛ لكي يستطيع أن يعالج فعلياً أحد الأمراض النفسية. وبعض هذه الدورات يحاول تعليم تقنيات البرمجة اللغوية العصبية، وهي تفتقر لدراسات رصينة تثبت نجاعتها، كما أشارت لذلك دراسة استعراضية حديثة:
Sturt J, Neurolinguistic programming: a systematic review of the effects on health outcomes. Br J Gen Pract. 2012  
وأحياناً، تُستخدم هذه الدورات للترويج عن مراكز الطب النفسي الخاصة. وأخشى أن في ذلك شيء من التدليس على المرضى، لأن تخصص المدرب العلمي الطبي، يعطي المرضى انطباعاً زائفاً بأن خلاص معاناتهم في حضور دورة كهذه، علاوة على ما فيه من إضاعة لأوقاتهم وأموالهم. وأحياناً، يدافع مقدمو هذه الدورات عنها، بأن هدفهم هو تثقيف عامة الناس بمواضيع الصحة النفسية، وهذا الأمر يتحقق فعلياً عبر محاضرات ولقاءات مفتوحة للنقاش، وليس عبر دورات مدفوعة الثمن، بعناوين يُفهم منها القدرة على تعليم العامة، كيفية تشخيص الاضطرابات الشخصية أو جلب السعادة المزعومة في ساعتين أو ثلاث!
      وتذكيراً لنفسي وللأطباء النفسيين بشكل خاص، وللمهتمين من القراء الكرام بشكل عام؛ فسأوجز الأدوار الرئيسية الأربعة للطبيب النفسي، وهي نفس الأدوار المتوقعة من الأطباء في معظم التخصصات. كما أن بعض الأطباء قد يتميز في أحدها، وبعضهم في معظمها، والتوفيق من الله. وما عدا هذه الأدوار الأربعة من جهود، فلا يُحسب على تخصص الطب النفسي، وإنما هو اهتمام علمي إضافي، أو هواية شخصية جانبية. وهذه الأدوار باختصار هي:
1) الدور الإكلينيكي:
فهناك حاجة ماسة لكل دقيقة من أوقات الأطباء النفسيين في السعودية، ليصرفوها في خدمة المرضى في بلد يعد فيه الطبيب النفسي عملة نادرة، ويمتد الانتظار أحياناً في العيادات الخاصة فضلاً عن الحكومية لبضعة لشهور. ومازالت الخدمة النفسية المقدمة قاصرة، لأسباب مؤسسية حاولت مقاربتها في مقال بعنوان (خدمات الصحة النفسية في السعودية ليست كافية. فما الحل إذن؟)، وأسباب فردية طرقت بعضها في مقال بعنوان (اعرف حقك! ما هي حقوق المريض في العيادة النفسية؟).
أما العيادات النفسية التطوعية فهي أندر من الكبريت الأحمر. وهنيئاً لمن يتصدى لذلك. حيث من المعلوم، أن الأمراض النفسية شديدة الوطأة تنحدر بأصحابها في دركات الفقر والتشرد. ومن أخلص النية في خدمة هؤلاء فأحسبه والله حسيبه، قد حصل على خيري الدنيا والآخرة. وقد قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم ” ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون أو تنصرون، بضعفائكم “
2) الدور التعليمي: 
فلا شك أن الدماغ، وهو مقر الأمراض العصبية والنفسية، ما زال غامضاً مقارنة بغيره من أعضاء الجسم، ولذلك تُصرف في سبيل كشف أغواره، مئات الملايين من الدولارات في العالم المتقدم. فلا توقف عن التعلم إلا بالتقاعد، ولا يثبت العلم إلا بتعليمه. فبالإضافة لمشاركتهم في تعليم طلبة التخصصات الرئيسية الأخرى في الصحة النفسية كعلم النفس والاجتماع. الخ؛ فلا مناص من أن يصرف الأطباء النفسيين، غالي أوقاتهم لتعليم طلاب الطب وطلاب الدراسات العليا الطبية في تخصصات الطب النفسي والأعصاب والعائلة والطوارئ والباطنة. الخ. ومن المعلوم، أن المصابين بأمراض نفسية شديدة الوطأة كالاضطراب ثنائي القطب واضطراب الفصام قد يموتوا أبكر من غيرهم ب 15 سنة بسبب ازدياد أمراض السكر والسمنة والضغط والكوليسترول والقلب. الخ لديهم مقارنة بعامة الناس. وبينما تتضاعف معدلات الإصابة باضطرابات الاكتئاب والقلق والهذيان لدى المصابين بأمراض جسدية حادة أو مزمنة؛ فإن الفشل في تشخيص وعلاج هذه الاضطرابات النفسية الآنفة الذكر، يؤدي لمضاعفة معدلات المراضة والوفيات لدى هؤلاء المرضى بشكل عام؛ وكذلك للإفراط في استهلاك الخدمات الصحية العامة، وزيادة الكلفة الصحية الإجمالية. ومن هنا تبوأ الطب النفسي مكانة بارزة في مقررات التعليم الطبي الجامعية وفوق الجامعية في العالم المتقدم.
 وبالتأكيد، للأطباء النفسيين دور مهم في تثقيف مرضاهم مع عوائلهم أثناء مواعيدهم العلاجية. أما التوجه لتثقيف عامة الناس بمواضيع الصحة النفسية فمهم بلا شك، ولكن يبقى واحداً من الأدوار الفرعية لأحد أدوار الطبيب الرئيسية الأربعة. ويُفترض آن يتصدى لهذا الدور في المقام الأول، المتخصصون في التثقيف الصحي والنفسي.
3) الدور البحثي:
فلا تزال كثير من مواضيع الصحة النفسية في السعودية بكراً، وتحتاج لمن يتصدى لبحثها. ومن المتعارف عليه عالمياً، أن تنافس الأطباء الكبار يكون في عدد الأبحاث الرصينة التي ينشرونها في مجلات مرموقة، وليس في حجم الظهور الإعلامي، فذلك مجال يتنافس فيه مشاهير الفن والرياضة والإعلام. والدور البحثي له أبعاد كثيرة، لعلي أتطرق لها في موضوع مستقل بإذن الله.
4) الدور القيادي والإداري:
فمهما تطورت موارد الصحة النفسية في السعودية، فلن تكفي لسد العجز المتزايد، مالم تُستخدم هذه الموارد بطريقة كفؤة، وفي الطريق الصحيح. وليس خافياً استياء كثير من الأطباء النفسيين السعوديين من إهمال الجهات الصحية في المملكة للخدمات النفسية العامة، ولذلك ربما يبذل بعضهم جهداً ووقتاً متزايداً في القطاع الخاص. ومع ذلك، فأظن أننا كأطباء نفسيين، ما زال بيدنا الكثير لنبذله، لتطوير خدمات الصحة النفسية بشكل مؤسسي؛ ويأتي على رأس ذلك السعي لدمج خدمات الصحة النفسية في عيادات الرعاية الأولية والمستشفيات العامة، وفي ذلك مصلحة مشتركة للجميع، وتقليل للكلفة الصحية بشكل عام.
والله من وراء القصد   


أخبار مرتبطة